Menu

Staccato عَزْفٌ مُتَقَطِّعْ

Performance, Video Art

Staccato عَزْفٌ مُتَقَطِّعْ

(Last Updated On: )

على مدى أكثر من عشرين عامًا، قدم سامح الطويل الكثير من الأعمال التي يمكن تسميتها “سمع بصرية” وهي مشاريع تتحدى المفاهيم التقليدية للموسيقى والأداء. بدءًا من “عزف منفرد” في عام 2003، حيث ينغمس الفنان في العزف على البيانو وهو مقيد اليدين بأصفاد معدنية، ثم مرورًا بمشروع “لا 442 هيرتز” 2013، فيه يحاول مجموعة من العازفين جاهدين ضبط آلاتهم من دون فائدة ولمدة ثلاث دقائق من الضجيج، ثم كابوسية مشروعه “مستعد للرحيل” 2013، الذي يُلف فيه الفنانُ والبيانو بشرائح من البلاستيك أثناء العزف، وصولًا إلى مشاريع: “عزف متقطع” 2024، الذي يعكس عبثية العزف على آلات بلا أوتار تارة وعزف المجموعة على ظهور آلاتهم تارة أخرى، و”عزف غير منفرد” 2024 ، حيث يتصارع عدد من العازفين على العزف بأقواسهم على أوتار نفس الآلة.

وتتجلى لامعقولية الطرح في مشروع ”إحماء“ 2024. حين نرى مجموعة محاولات عنيفة فاشلة تشبه تمارين الإحماء الصوتي لمؤدين شباب في محاولة النطق ولو بكلمة.

تبدأ معظم هذه العروض الأدائية في الغالب بتقدم أحد المؤدين أو مجموعة العازفين ليتوسطوا المشهد أو يعتلوا مسرحًا. افتتاحيات واعدة تبشر بعزف وأداء احترافيين، ثم يتبعها غالبًا أداء يشبه الغناء أو العزف الموسيقى، أو ربما هو كذلك لكن دون إنتاج موسيقى كالتي نعرفها أو نتوقعها، مما يخيب ظن الجمهور ويصدمهم، ويدعوهم تدريجيًا إلى البحث وملاحظة تفاصيل بصرية وصوتية بديلة متعلقة بالآلات ووجوه المؤديين أو العازفين ويلفت الآذان كذلك إلى الاستماع إلى الأصوات المحيطة التي تحدث داخل مكان الأداء وحوله.

هذه الأعمال، من وجهة نظري، تعد من بين أكثر الأعمال الموسيقية الممتزجة بتجارب الفن الحديث تحفيزًا للتفكير، ليس فقط بسبب المفاهيم والإسقاطات الاجتماعية والجيوسياسية التي تحملها، بل وبما تثيرُه من تساؤلات حول مفهوم الموسيقى نفسِه!

ض. الكيلاني: أود لو تحدثني قليلا عن انطباعك الأول حين عرض عليك سامح الطويل فكرة المشروع ، وما طلبه منك لتنفيذه. 

أحمد حسن: كان الانطباع الأول عن هذا الأداء غير المعتاد انطباعًا ساخرًا بطبيعة الحال، لكن تدريجيًّا بعدما تحدثت مع سامح الطويل عن ما وراء هذه التعليمات ودلالاتها تحول الشعور إلى الحماسة تجاه هذه التجربة الفنية الفريدة التي تلقي الضوء على أوجه أخرى لمعنى العزف، سواء الموسيقى الصامتة الناتجة عن العزف بالشكل الإيقاعي بدون إصدار نغمات من الآلة، أو رمزية البحث عن النغمات ومحاولة التآلف رغم كل الصعوبات والمشتتات المقترنة بكسر المعتاد في الأداء، كانت حقا تجربة متفردة لا تخلو من متعة رغم غرابتِها .

ض. الكيلاني: هل يمكن تسمية الناتج عن هذا الأداء -“غير المعتاد” كما أسميته – موسيقى ؟

أحمد حسن: الموسيقى في رأيي هي صوت ومساحة زمنية وكلاهما تحقق وبالتالي يمكنُ بالتأكيد تسميتُه موسيقى.

ض. الكيلاني: حين جلست تعزف مقطوعة “يا مسافر وحدك” للموسيقار محمد عبدالوهاب على العود متحررًا من محدوديةِ الأوتار، هل عزفت أفضل من المعتاد؟ ، استمتعت بها أكثر أو أقل؟ التزمت بإيقاعها ونغماتها أم استثمرت رفاهية العزف من دون أخطاء؟

أحمد حسن: كُنْت أَسمَع الموسيقى فِي دَاخلِي وراودني إِحسَاس ذَكرَنِي بِبيتْهوفن عِنْدمَا فقد سَمعُه واسْتبْدلت الأصْوات بِطنيْنٍ، لَكنَّه اِسْتطَاع رَغْم كُلِّ ذَلِك أن يُؤلِّف الموسيقى وَكأَن الموسيقى تُدْرَك بِالرُّوح قَبْل اَلأُذن.

كانت الموسيقى الداخلية تدفعني للالتزام بالزمن، لا أستطيع القول بأنني استمتعت أو تحررت لكنَّهُ إحساسٌ أقربُ ما يكون إلى إحساسِ المُتدرّبِ الملتزمِ بالزمنِ والتوافق.

ويبقى النقاش مفتوحاً …
هل يصبح الإحماء غناء؟ وهل تعد تلك الأدآت الصوتية موسيقى؟

المايسترو محمد عثمان: في رأيي الخاص عن تلك الأداءات – وان كان ينقصها في ظني مزيد من جماليات الموسيقى كما نعرفها لتصبح أكثر إمتاعاً – فإن في تلك الأداءات التجريبية ما يجعلها موسيقى.- حتى غير المنضبطة منها أو ما لا تحمل سوى أصوات غير متوقعة كالنقرات والاحتكاكات والنغمات الخاطئة، الخ … كما هو الحال في مشروع “ْعزف متقطع”. –

ض. آلكيلاني: والفنان هنا هو المؤلف الموسيقي؟

محمد عثمان: هذا موضوع غير تقليدي ومحير، لكني أميل إلى الاعتقاد بأن تلك المقطوعات هي مؤلفات جماعية أو ملكية مشتركة بين صانعيها، فمثلاً – ومع الفارق – إن كان (زكريا أحمد) في كثير من ألحانه  قد ألف اللحن ورسم خطوطه العريضة وجعل فيه مساحة معدة للارتجال فإن للسيدة أم كلثوم بثقافتها المتفردة دورها في التأليف والتلحين حين اقتحمت تلك المساحة وتصرفت فيها بما يتفق وثقافتها الخاصة، كذلك  في جلسات الارتجال الموسيقي Music Jam session التي يبدأها أحد العازفين ويرتجل آخرون وينهيها آخر بناءً على إطار متعارف أو متفق عليه أو بناءً على تعليمات من قائد المشروع.

ض. آلكيلاني: تقصد الفنان البصري في هذه الحالة؟

محمد عثمان: نعم

(Last Updated On: )

تروسُ الموسيقى

(مقال سيميائي انطباعي) بقلم ضياء الكيلاني

عن مشروع ”عزف متقطع” الأدائي / فيديو لسامح الطويل، ٢٠٢٤
جزء من كتاب ”حديث من هنا ومن هناك“ قيد النشر 

ض. الكيلاني – القاهرة

س. الطويل – دارمشتات 

أبريل 2024

ض. الكيلاني:

بوسعي إذن القول إن هذه الأداءات تتمحور حول ما يحدث في كواليس العمل الفني الموسيقي على وجه الخصوص، إذ تحاول من خلالها تسليط الضوء على كل ما هو خارجَ دائرتِهِ أو بالأحرَى توجيه الأذنِ إلى كل ما هو بعيد من مجال السمع من أصوات. 

إذا إستطعنا رفعَ كل ما في واجهة الأداء الموسيقي من موسيقى، وتقديمَ كل ما في كواليس ذلك الأداء الموسيقي، فلن يتبقى من الحفلِ سوى شقاءِ الآلاتِ والعازفين، أصوات (تروس الموسيقى) – كما كنتَ أسميتها وأخبرتني- معاناة الوتر وهو يتلقى الصفعاتِ والسحجاتِ، بعدما حرمناه من صرخات الاستغاثة التي كانت تصلُنا من خلالِ حفلِ تعذيبٍ جماعيٍّ على هيئةِ موسيقى ونستمتعُ بها بساديَّةٍ مُطلقة، ثم يقف العازفُ ليحيي الجماهير، وما تزال جراح الأوتار ساخنة والنزيف جاريًا على خشب الآلة اليابس المقطوع من لحم الشجرة، ولا أحد من الجمهور يُصفق للآلة أو يظل ممتنًّا للشجرة.  

فيما تركنا له أنَّات الشكوى تلك التي بالكاد يستطيعُ التقاطَها أحدُ السامعين كـ(مَسامِع ثانويَّة) بلغة المؤلفين الموسيقيين وكـ(أضرارٍ جانبية) بلغة قادةِ الجيوش، ولا يمكننا أن نُغفلَ أصواتَ الجماهير والعازفين/ حكَّة الأحذيةِ بأرضيةِ قاعةِ العرض/ بكاءَ طفلٍ في الخلفية/ صريرَ باب المسرح، تلك التي يمكن أن نطلق عليها  (أصوات على جانب عملية التعذيب). 

ولا يمكنني حين أرى الآلات منكفئةً على وجوهِها في أحضان العازفين أن أغفَل مشهدَ الأب متمثلا في (العازف) الذي يُربّتُ على صغيرِهِ الذي دفن وجهَهُ في أحضانه  ربما خجلا من مواجهة العالم بوجه لم تكتمل أدواته التي يستطيع بها التعاطي مع ذلك العالم من كذب وادعاء، وربما خوفًا من الخذلان الذي ينتظره. 

حتى وإن كنا نعدها صمتا فإن ذلك الصمت الذي إذا أمعنّا فيه السمع واستعملنا المجهر الصوتي فلابد من أن نجد شيئا يُسمع، إذ لا أظن أن هناك صمتا تامًّا مطلقًا -على الأقل في الحيز الذي نعيش فيه ونتفاعل معه- وإنما “أصوات تحت موسيقية”.

س. الطويل:

أعجبني تعبير”أصوات تحت موسيقية”، ويمكنك بنفس المنطق أن تضيف “صور تحت بصرية” … نعم فهي بالفعل كذلك،

الفضاء الصوتي الذي نعيش وسطه والصمت أصل الأصوات ومنبعها وتردداتها التي خلقها منظم الكون قبل أن نتدخل فيها بالإضافة والحذف.

في مشروعي “عزف متقطع” حاولت كما أشرت أن أحيِّدَ الكثيرَ من الاصطناعِ السمعي والبصري وأكشفَ الغطاءَ أو أسلطَ الضوء على أصلِ الأداء، فالعازف أهم من العزف ومشاعرُه أعمق مما تقوى الآلات على مجاراته، وخيالُه يتخطى بكل تأكيد حدودَ الأوتارِ والأقواس والنوتات.

علاقة العازف بالآلة ولحظات توحده معها بتفاصيلها السمعية والبصرية أهم من الموسيقى المعزوفة التي هي فقط واحدة من الاحتمالات وربما أقل الاحتمالات أهمية.

إذا كانت الموسيقى هي رمز للتجرد وحرية التعبير- وأحسبها كذلك – فتحرير أصلها بالثورة على المألوف وقلب آلاتها رأسًا على عقب وإسقاط نظامها هو بالتأكيد رمز الحرية المطلقة.

 هل يمكن اعتبار مقطوعات سامح الطويل البصرية موسيقى؟

(Last Updated On: )

ض. آلكيلاني: ماذا عن مشروع “إحماء” ؟

محمد عثمان: شخصياً وكمدرب أصوات متخصص، أستمتع بسماع تدريبات الإحماء الصوتي استمتاعي بالغناء، خاصة إذا كانت تلك التدريبات تحمل جماليات وتقنيات وتستعرض قدرات صوتية استثنائية أو تراكيب يصعب إيجادها مجتمعة في الأغاني المعروفة.

أعرف أن مشروع إحماء هو إسقاط على أمور أخرى قد تكون اجتماعية أو سياسية أو ربما كلاهما ولكن ذائقتي ما زالت تميل لسماع جماليات الغناء أو شيء منها على الأقل.

ض. الكيلاني: إن الجدل حول ما إذا كان من الممكن عدُّ هذه المشروعاتِ السمع بصرية موسيقى أم لا هو جدل فلسفي بالأساس، والآراء حوله متنوعة. بناءً على وجهات نظر الموسيقيين الأكاديميين والمتخصصين في فلسفةِ الموسيقى، قد يكونُ تصنيف هذه الأعمال موسيقى محلّ نقاش وربما محلّ جدل لا ينتهي. فالموسيقى – كما يُفهم تقليديًا- تنطوي على تأليف وتنظيم مسبق متعمد للأصوات أو رسم خطوط عريضة للعمل على الأقل. 

من هذا المنظور، تشكل هذه الأعمال تحديًا للتعريفات التقليدية نظرًا لغياب إنتاج الصوت المؤلف مسبقًا والمتعمد من قبل المؤلف والعازفين، كما أنها ليست ارتجالا محضا.

شخصيا وبينما تميل نفسي إلى استباق الآراء بإجابة احتكارية منتصرًا لمفهوم الموسيقى المتعارف عليه؛ أتذكرُ احتياجي في إحدى المسرحيات التي قمت بإعداد الموسيقى التصويرية لها حين أردت الحصول على صوت فيلٍ غاضب ولم تعجبني البدائل المتاحة فاضطررت لاستخدام الأبواق في تحرك بين أنصاف النغمات (كروماتيك) أعددته خصيصا وأضفت إليه بعض التأثير ليعطي النتيجة المرجوّة. وتذكرتُ كذلك أفلامَ الكارتون (توم آند جيري) والتي كُتبت موسيقاها لتعبرَ عن طَرْق وضرب وسحل وغير ذلك. ولذلك أتراجع عن أحكامي الاستباقية وأترك الحكم لأصحابه.

عادة ما يكون الإحماء متعلقا بمناطق الضعف في الجهاز الصوتي أو الأصابع التي تؤدي العزف أو العمل وهو ما يشير إلى الآراء الصادمة المعلبة والأداء القلق المرتبك، ولكن الدلالات البصرية في هذا المشروع تجعلك تعيد الاستماع بأذن أخرى ، بأذن تورطت في القضية المطروحة وتفاعلت معها. 

سامح الطويل: “طالما كنت مهتمًا بمحاولة إعادة تصور ما يمكن أن تكون عليه وتعبر عنه الموسيقى، في اعتقادي، أي تجربة سمعية يمكن أو ربما يجب أن تعد موسيقى بعيدًا عن مفهومنا الإعلامي المعلب عن دلالات النغمات وعما يجب أن تعبر عنه الأصوات. فالموسيقى لا يلزم أن تعبر عن شئ غير نفسها! وهذا يشمل الأصوات غير المقصودة التي تحدث أثناء الأداءات، نقرات أصابعي على البيانو وهمهماتي أثناء العزف، حفيف الملابس، وهمس الحاضرين، صرير باب أو بكاء طفل من الحاضرين، … الأصوات داخل وخارج مكان العرض، وما إلى ذلك. اتفق في هذا الرأي مع كانط Immanuel Kant 1724 – 1804 والمؤلف الموسيقي الأمريكي جون كيدج John Cage Jr. 1912 – 1992 ، فقوة الموسيقى وجمالها في كونها مجردة. من هذا المنظور، أعتبر أعمالي موسيقية بالفعل، حتى تلك التي تعزف صرير قوس يحك ظهر آلة موسيقية بلا أوتار، وإن لم أخطط أو أؤلف النغمات مسبقًا لكني خططت للحالة وعناصرها وتلاعبت متعمدًا بدلالات الأداءات والأصوات ووجهت الآذان للاستماع بجانب الموسيقى – إن وجدت – إلى أصوات جديدة غالبًا ما يتم تجاهلها، وبالتالي قد أكون قد وسعت نطاق ما يمكن اعتباره موسيقيًا.”

ض. الكيلاني: يمكن أن يعتمد الحكم على ما إذا كانت المقطوعات البصرية للطويل تعد موسيقى إلى حد كبير على التعريف المعتمد للموسيقى. إذا تم النظر إلى الموسيقى بمعنى أوسع كتجربة تعبيرية وسمعية تشمل المعايشة البصرية والتجاوب العاطفي مع العمل فيما يعرف (بالاستماع النشط)، فإن أعمال الطويل الفنية يمكن أن تصنف كمؤلفات موسيقية بل ومجددة.

أتفق أنَّ أعماله التي تعتمد على الأداء الموسيقي صادمة وتحثُّ مُتذوّقي الموسيقى على إعادة النظر في الدلالات والتصورات المسبقة وما يعتبر من الثوابت واكتشاف الموسيقى في الأشكال والأصوات المهمشة التي تحيط بنا يوميًا، وإن لم تتوافق و ذائقتي الموسيقية لكنها تحمل بعض إضافة لمفهوم الموسيقى ليشمل الفضاء الصوتي الذي نعيش وسطه.

Share

This is a unique website which will require a more modern browser to work!

Please upgrade today!

UA-28329045-1